الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

212

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وبعد عدم تماميّة الوجه الأوّل ؛ لصحّة الإطلاق على الطلب غير الإلزامي ، وكذا الوجه الثاني ؛ لأنّ العقل لا يمكنه الحكم باللزوم مع ما يرى من الأوامر الكثيرة الّتي أذن المولى في تركها ، فالحقّ أن يقال : إنّ منشأ هذا الظهور هو الإطلاق ومقدّمات الحكمة ؛ لأنّ طبيعة الطلب تنافي الإذن في الترك ، فإنّ الطلب بعث إلى الشيء ، والبعث يقتضي الانبعاث كما في البعث الفعلي ، فلا سبيل لعدم الانبعاث في ماهيته ، فالإلزام والوجوب لازم لطبيعة الطلب وماهيّته ، فما لم يصرّح المولى بالترخيص ولم يأذن بالترك ينصرف الطلب إلى الوجوب ويتبادر منه اللزوم . والشاهد على ذلك أنّه إذا لم يمتثل العبد أمر المولى اعتذاراً بأنّي كنت احتمل الندب ، لم يقبل عذره ويقال له : « إذا قيل لك افعل فافعل » . نعم ، إذا قامت قرينة على الاستحباب والترخيص لم يكن الاستعمال مجازاً ؛ لأنّ الموضوع له عامّ يشمل الوجوب والاستحباب وإن كان إطلاقه ينصرف إلى الوجوب . الجهة الثانية : في صيغة الأمر ويبحث فيها في أمرين : 1 . في مفادها لا إشكال في أنّها وضعت للطلب الإنشائي ؛ وبتعبير المحقّق الخراساني رحمه الله لإنشاء الطلب « 1 » ، وعلى تعبير بعض الأعاظم وضعت لنفس البعث والإغراء « 2 » ؛ فإنّها تعابير مختلفة عن أمر واحد ، فإنّ الإنسان تارةً يطلب شيئاً بنفسه مباشرة فيتحرّك نحو الماء مثلًا لرفع العطش بنفسه ، وأخرى يطلبه بالتسبيب ، والثاني على قسمين : تارةً يحرّك الإنسان الشخص المأمور نحو المأمور به بحركة تكوينيّة فيبعثه نحو العمل بعثاً خارجياً ويدفعه بقوّة يده مثلًا . وأخرى يحرّكه ويبعثه نحو العمل بإبراز إرادته وطلبه النفساني بلفظ خاصّ ، ومن

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 69 ( 2 ) . تهذيب الأصول ، ج 1 ، ص 191